لسان الدين ابن الخطيب
183
الإحاطة في أخبار غرناطة
واضطلع بشروط التّوبة ، فتحلّل من أهل بلده ، واستفاد واسترحم ، واستغفر ، ونفض يديه من الدّنيا ، والتزم عبادة كبيرة ، فأصبح يشار إليه في الزّهد والورع ، لا تراه إلّا متبسّما ، ملازما لذكر اللّه ، متواضعا لأصاغر عباده ، محبّا في الضّعفاء والمساكين ، جميل التّخلّق ، مغضيا عن الهنات ، صابرا على الإفادة . وجلس للجمهور بمجلس مالقة ، يتكلم في فنون من العلم ، يعظ الناس ، ويرشدهم ، ويزهّدهم ، ويحملهم على الإيثار ، في أسلوب من الاستنفار والاسترسال والدلالة والفصاحة والحفظ ، كثير التأثير في القلوب ، يخبر بإلهام وإعانة ، فمال الخلق إليه ، وتزاحموا على مجلسه ، وأعلنوا بالتّوبة ، وبادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات ، والاستقالة من الزّلّات ، ودهم الوباء ، فبذلوا من الأموال في أبواب البرّ والصّدقة ، ما لا يأخذه الحصر ولا يدركه الإحصاء ، ولولا أن الأجل طرقه ، لعظم صيته ، وانتشر نفعه . وفاته : توفي شهيد الطّاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين وسبعمائة ، ودفن بجبانة جبل فاره « 1 » ، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته ، وصلّى عليه خارج باب قنتنالة ، وألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد اللّه الطّنجالي ، رحم اللّه جميعهم . وممّن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورّاد فقال : [ الطويل ] أبعد وليّ اللّه دمعي يسجم * وغمار قلبي من كلوم تترجم ؟ فؤادي مكلوم بحزني لفقده * لذاك جفوني دمعها كلّه دم وما ذا عسى يغني التفجّع والبكا * وما ذا عسى يجدي الأسى والتّبرّم ؟ سأصبر للبلوى وإن جلّ خطبها * فصبر الفتى عند الشّدائد يعلم كذا العلم بالسيف الصّقيل لدى الوغى * فويق الذي من حسنه لا يوسّم « 2 » على قدر صبر المرء تصغر عنده * خطوب من الدنيا على الناس تعظم ألا إنها الدّنيا تعلّة باطل * ومحمض « 3 » أحلام لمن بات يحلم تجنّبها أهل العقول فأقصروا * وأغرق فيها الجاهلون وأشأموا « 4 »
--> ( 1 ) جبل فاره : بالإسبانية gibralfaro ، يعلو مدينة مالقة . نزهة المشتاق ( ص 570 ) . ( 2 ) كلمة « لا » ساقطة في الأصل . ( 3 ) في الأصل : « ومخمضة » وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى . ( 4 ) في الأصل : « وأشأم » .